بعد ثلاث سنوات على 7 أكتوبر... ماذا بقي من وحدة الساحات؟
09 Oct 202606:37 AM
بعد ثلاث سنوات على 7 أكتوبر... ماذا بقي من وحدة الساحات؟
ثلاث سنوات مرّت على 7 أكتوبر 2023. ثلاث سنوات كافية للخروج من اللحظة الانفعالية للعملية والنظر إليها بعين سياسية واستراتيجية: ما كان الهدف؟ وما كانت النتيجة؟

كان الرهان واضحًا: كسر المعادلة القائمة، إعادة القضية الفلسطينية إلى قلب المشهد، وإشعال ما سُمّي بوحدة الساحات من غزة إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن، وصولًا إلى إيران، بما يفرض معادلة إقليمية جديدة. بعد ثلاث سنوات، السؤال ليس ما إذا كانت المنطقة تغيّرت. هي تغيّرت جذريًّا. السؤال الحقيقي: لمصلحة من؟

في غزة، كان الرهان على فرض معادلة جديدة. لكن النتيجة كانت حربًا مدمّرة، وإضعافًا كبيرًا لقدرات "حماس"، وتحوّل سلاحها ومستقبل حكمها في القطاع إلى جوهر أي تسوية مقبلة.

في لبنان، تحوّلت جبهة الإسناد إلى حرب دفع لبنان ثمنها غاليًا، وتلقّى "حزب الله" ضربات عسكرية وأمنية وقيادية غير مسبوقة. والأهمّ أن المعركة أعادت إلى الواجهة السؤال الذي حاول لبنان طويلًا الهروب منه: من يُقرّر الحرب والسلم؟ ومن يحتكر القوّة؟ وهنا تكمن المفارقة: ما كان يُقدَّم على أنه قوّة لحماية لبنان تحوّل إلى نقطة ضعف للبنان ولـ "حزب الله" نفسه.

في سوريا، سقط نظام الأسد، وانقطعت إحدى أهمّ حلقات الوصل في شبكة النفوذ الإيراني، وتضرّرت الطريق التي كانت تربط طهران بـ "حزب الله" عبر العراق وسوريا.

وفي العراق، بدأت فكرة، كانت تبدو حتى الأمس مستحيلة، تتحوّل إلى مسار سياسي: حصر السلاح بيد الدولة، وتوحيد القرار الأمني تحت سقفها. قد يكون هذا المسار متأخّرًا وصعبًا، لكنّه بحد ذاته تحوّل استراتيجي.

وفي اليمن، بقي الحوثيون إحدى الأوراق الأخيرة لوحدة الساحات، ولا سيّما عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب. لكن حتى هذه الورقة تحوّلت إلى ساحة مواجهة مكلفة، تؤكّد أن القدرة على تهديد طرق التجارة والطاقة لا تعني بالضرورة القدرة على تحويل هذا التهديد إلى انتصار سياسي مستدام.

ثمّ نصل إلى إيران، بيت القصيد. إيران، التي بنت خلال عقود شبكة نفوذ تمتدّ من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، تجد نفسها اليوم أمام مشهد مختلف جذريًّا: غزة ولبنان تلقّيا ضربات قاسية، سوريا خرجت من معادلتها القديمة، والعراق بدأ يُناقش حصر السلاح بيد الدولة، فيما انتقلت المواجهة من حرب بالوكالة إلى مواجهة مباشرة معها. حتى ورقتا هرمز وباب المندب لم تعودا أورقتين مجانيتين. استُخدمتا وأُحرقتا وتحوّلتا من أدوات ضغط إلى ساحات مواجهة مكلفة.

أما في الداخل الإيراني، فالأزمة الاقتصادية والمعيشية تتعمّق، والضغط الشعبي يتزايد. وإذا لم يسقط المشروع بالقوّة العسكرية، فقد يجد نفسه عاجزًا عن الصمود أمام وطأة الاقتصاد والاستنفار الشعبي.

وهنا تصبح النتيجة أبعد من معركة أو جبهة. المشروع الذي قام على فكرة تصدير القوّة إلى الخارج يجد نفسه اليوم مضطرًّا إلى مواجهة أزمة الداخل. غزة دفعت الثمن الأكبر. لبنان دفع ثمنًا هائلًا. سوريا تغيّرت. العراق بدأ يستعيد فكرة الدولة. اليمن تحوّل إلى ساحة مواجهة مفتوحة. وإيران نفسها أصبحت في قلب المواجهة.

لذلك، بعد ثلاث سنوات، لا يكفي أن نسأل: ماذا حدث في 7 أكتوبر؟ السؤال الأهمّ: ماذا أنتج 7 أكتوبر؟ كان الهدف إعادة رسم الشرق الأوسط عبر وحدة الساحات. لكن المفارقة أن السنوات الثلاث التي تلت العملية دفعت في المقابل باتجاه مختلف: إعادة الاعتبار للدولة، لسيادتها ولحقّها الحصري في قرار الحرب والسلم وامتلاك السلاح.

ومن لبنان إلى العراق، مرورًا بسوريا وغزة، يبدو أن المعركة الحقيقية التي خرجت إلى الواجهة لم تعد فقط بين محورَين إقليميين، بل بين مشروعَين: مشروع الدولة ومشروع الساحات.

ما أرادوه حربًا لتغيير الشرق الأوسط تحوّل إلى مسار غيّر المعادلة ضدّ المشروع الذي أطلقه. وربّما لهذا السبب، بعد ثلاث سنوات، لا يعود السؤال فقط عمّا حقّقه 7 أكتوبر، بل عمّن كان في النهاية قادرًا على تحويل نتائجه إلى مكاسب استراتيجية. فلو وضعنا نتنياهو مكان السنوار، لما كان قادرًا وحده على تحقيق ما حقّقه السنوار. لكنّ السنوار، بمعيّة الإيرانيين و"محور المقاومة" ووحدة الساحات، ربّما حقّق لإسرائيل ما لم يكن نتنياهو قادرًا على تحقيقه منفردًا.